السلمي

27

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

إنه ، رضي اللّه عنه ، استسقى فأتى بإناء فيه ماء وعسل ، فلما أدناه من فيه بكى وأبكى من حوله ، فسكت وما سكتوا . ثم عاد فبكى حتى ظنوا أن لا يقدروا على مساءلته ، ثم مسح وجهه وأفاق . فقالوا : ما هاجك على هذا البكاء ، قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم وجعل يدفع عنه شيئا ويقول : « إليك عني إليك عني » ولم أر أحدا فقلت : يا رسول اللّه ، أراك تدفع عنك شيئا ولا أرى معك أحدا ، قال : « هذه الدنيا تمثلت لي بما فيها ، فقلت لها : إليك عني ، فتنحّت وقالت : واللّه لئن انفلتّ مني لا ينفلت مني من بعدك ، فخشيت أن تكون قد لحقتني فذاك الذي أبكاني » « 1 » . وكان لأبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه مملوك يغلّ عليه فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة ، فقال له المملوك : ما لك كنت تسألني كلّ ليلة ولم تسألني الليلة ، قال : حملني على ذلك الجوع ، من أين جئت بهذا ؟ قال : مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني ، فلما أن كان اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني . قال : إن كدت أن تهلكني ، فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ ، وجعلت لا تخرج ، فقيل له : إن هذه لا تخرج إلا بالماء ، فدعا بطست من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها . فقيل له : يرحمك اللّه كل هذا من أجل هذه اللقمة ، قال : لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « كلّ جسد نبت من سحت فالنار أولى به » . فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة « 2 » .

--> ( 1 ) حلية الأولياء : 1 / 30 - 31 . ( 2 ) حلية الأولياء : 1 / 34 ، صفة الصفوة : 1 / 251 - 252 . رواه الطبراني في -